علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
334
الصداقة والصديق
قلوبهم ، وتصرّف حالاتهم ونيّاتهم واختلافهم ، لما تشعّبوا من أصلهم ، ولا ائتلف منهم اثنان بعد تشعّبهم ، ولا بدّ فيما يحدث بين الناس من علل الوحشة ، وأسباب العداوة والفرقة ، ويجري بينهم من المودة ودواعي الصلة من سابق ومسبوق ، وداع ومجيب ، فسابق إلى قطيعة يجتني بها من صاحبه الوحشة ، ومبتدئ بصلة يجتلب بها من صاحبه الثقة ، ويزرع بها في قلبه المقة « 1 » ، وقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما حرّكني لودّك ، ورغّبني في خلّتك ، ودعاني إلى طلب فضلك ، فأجبت دعاءك إلى الصلة والملاطفة بما أحسست لك من الثقة ، وحدث لي فيك من الرغبة ، فاقبل ما بدا لك من ودّنا ، وأحسن الإجابة إلى ما دعوناك إليه من إخائنا ، واتبعنا بإحسان إذ كان الابتداء منا ، فإن المجيب إلى الجميل شريك الراغب فيه / وإن المكافئ به شكل لمسديه ، ولا تكرهنّ أن تكون لنا إذ دعوناك مجيبا ، وإذ سبقناك بالفضيلة تابعا ، فإنّا قد أحسنّا إجابة فضلك ، واعلم أنك لو كنت سبقتنا إلى الصلة ، وتقدمتنا إلى الرغبة ، وطلبت فضلنا عليك بالمودة كنت بذلك للطّول أهلا ، وبه جديرا ، لأن مثلك في فضلك عطف نفسه على نفسه ، ومثلنا رغب في صلته . [ للحسن بن وهب إلى أبي صالح ] الحسن بن وهب « 2 » إلى أبي صالح : لولا اتّكالي عليك ، لكثرت كتبي إليك ، وإذا استحكمت الثقة نقص البرّ ، لما يدخل النفوس من الكسل عن العمل ، والاسترسال إلى الاتّكال . [ جواب أبي صالح ] فكتب إليه أبو صالح وكتب في آخره : يا مشفقا حذرا على ودّي له * كن كيف شئت فإنني بك واثق
--> ( 1 ) ومقه يمقه ومقا ومقة : أحبّه فهو وامق وذاك وميق وموموق . ( 2 ) هو الحسن بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصين كاتب وشاعر ، كان معاصرا لأبي تمام وله معه أخبار . مات عام 250 ه .